غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

198

تاريخ مختصر الدول

انه قد جعل ابنه وليّ عهده في السلطنة وجعل الأمير أياز أتابكه [ 1 ] فأجابوه كلهم بالسمع والطاعة وخطب لملكشاه بالجوامع ببغداد . وفي سنة تسع وتسعين [ 2 ] وأربعمائة سار السلطان محمد من آذربيجان إلى الموصل ليأخذها من جكرميش صاحبها وحصرها . فقاتل أهل البلد اشدّ قتال وكانت الرجالة تخرج ويكثرون القتل في العسكر ودام القتال من صفر إلى جمادى الأولى . فوصل الخبر إلى جكرميش بوفاة السلطان بركيارق فأرسل إلى محمد يبذل له الطاعة . ودخل إليه وزير محمد وقال له : المصلحة ان تحضر الساعة عند السلطان فإنه لا يخالفك في جميع ما تلتمسه منه . وأخذ بيده وقام فسار معه جكرميش فلما رآه أهل الموصل قد توجّه إلى السلطان جعلوا يبكون ويضجّون ويحثون التراب على رؤوسهم . فلما دخل على السلطان محمد اقبل عليه وأكرمه وعانقه ولم يمكنه من الجلوس وقال : ارجع إلى رعيتك فان قلوبهم إليك وهم متطلعون إلى عودتك . فقبّل الأرض وعاد وعمل من الغد سماطا بظاهر الموصل عظيما وحمل إلى السلطان من الهدايا والتحف ولوزيره أشياء جليلة المقدار . وفي سنة خمسمائة سار الجاولي سقاوو إلى الموصل محاربا في ألف فارس وخرج إليه جكرميش صاحبها في ألفي فارس . فلما اصطفوا للحرب حمل الجاولي من القلب على قلب جكرميش فانهزم من فيه وبقي جكرميش وحده لا يقدر على الهزيمة لفالج كان به فهو لا يقدر يركب وانما يحمل في محفّة فأسر وأحضر عند الجاولي فأمر بحفظه وحراسته . ولما وصل الخبر إلى الموصل اقعدوا في الأمر زنكي بن جكرميش . ثم إن الجاولي حصر الموصل وأمر ان يحمل جكرميش كل يوم على بغل وينادى أصحابه بالموصل ليسلموا البلد ويخلصوا صاحبهم مما هو فيه ويأمرهم هو بذلك فلا يسمعون منه وكان يسجنه في جبّ فأخرج يوما ميتا [ 3 ] . فكتب أصحابه إلى الملك قلج أرسلان بن سليمان بن قتلميش السلجوقي صاحب مدينة قونية واقسرة يستدعونه إليهم ليسلموا البلد إليه . فسار في عساكره . فلما سمع جاولي بوصوله رحل عن الموصل فتوجه قلج أرسلان إلى الموصل وملكها ونزل بالمغرقة [ 4 ] وخرج إليه زنكي ولد جكرميش

--> [ 1 ] - أتابك مركبة من بك وهي معروفة وأتا ومعناها أب . كان هذا اللقب أولا يعطى لمن يفوضه السلطان تربية أحد أولاده الصغار . وكان الأتابك يدبر باسم الولد المدينة التي كانت العادة ان يوليها السلطان لابنه . ثم توسعوا في معنى هذا القلب ومنحوه لأول المتوظفين لأمير الجيوش . ثم صار السلطان يعطيه للعظماء كلقب شرف . [ 2 ] - ويروى هذا الخبر في الكامل لسنة ثمان وتسعين . [ 3 ] - كان عمره نحو ستين سنة . [ 4 ] - ويروى في الكامل : بالمعروفة .